في خطاب عيد العرش، أكد الملك محمد السادس أن المغرب يعيش مرحلة فاصلة في مساره التنموي، داعياً إلى تغليب روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط. وشدد جلالته على أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي يمثل عملة نادرة لا تقدر بثمن، خاصة في محيط إقليمي ودولي مطبوع بالتقلبات والاضطرابات، معتبراً أن هذا الاستقرار هو العامل الأساسي في معادلة التنمية والرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب. وأعلن الملك عن التطلع لإطلاق دورة تنموية جديدة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة وتشكيل حكومة جديدة، يكون شعارها تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى، مؤكداً أن المنجزات المتحققة هي ثمرة توجه استراتيجي واضح وتراكمات إيجابية. وبمناسبة هذه الذكرى، سيترأس جلالته احتفالات عيد العرش بالمضيق وتطوان ويصدر عفواً ملكياً عن 1788 شخصاً.
تناول الخطاب الملكي عدة إنجازات ومحاور استراتيجية. أبرز جلالته قدرة المغرب على مواجهة الكوارث والأزمات، مستشهداً بالتدبير الاستباقي للفيضانات، وتنظيم تظاهرات قارية ودولية حظيت بإعجاب عالمي. اقتصادياً، سجلت المملكة نمواً بنسبة 4.9% في 2025، متوقعاً الحفاظ على هذا المعدل في 2026. كما ساهم موسم فلاحي جيد في تعزيز الأمن المائي والغذائي. وأكد الملك ترسيخ مكانة المغرب كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، حيث أصبحت قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي. وأشار إلى أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، وأن صادرات قطاعي السيارات والطيران تجاوزت 40% من إجمالي الصادرات، متقدمة على الفوسفاط. كما يجري تطوير قطاع البطاريات الكهربائية وتنفيذ "عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر". على صعيد السيادة الوطنية، أكد الخطاب على التركيز على الصناعات الغذائية والدوائية التي تغطي حوالي 80% من الحاجيات الوطنية، وإقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني. وفي قطاع السياحة، استقبل المغرب ما يقارب 20 مليون سائح في 2025. اجتماعياً، شدد الملك على ضرورة التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة وتعميم الحماية الاجتماعية، داعياً القطاع المالي الوطني إلى مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى وتوسيع التمويلات للمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
لاقى الخطاب الملكي ترحيباً من الأحزاب السياسية، حيث أشاد حزب التجمع الوطني للأحرار بالنتائج الاقتصادية والرؤية الملكية في تعزيز السيادة الصناعية والطاقية والغذائية والتكنولوجية، مؤكداً أن المكتسبات هي ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى. كما قدر حزب الأصالة والمعاصرة دعوة الملك إلى تغليب خطاب الثقة والتفاؤل، معبراً عن اعتزازه بالإنجازات في مختلف القطاعات. في المقابل، دعا حزب التقدم والاشتراكية إلى توفير مناخ إيجابي للانتخابات التشريعية 2026، محذراً من ممارسات الفساد وتكريس انطباع "النتائج المحسومة مسبقاً" الذي يهدد المشاركة السياسية. وفي تطور تشريعي، صرحت المحكمة الدستورية بشغور مقعدين برلمانيين لكل من زينب السيمو وإدريس السنتيسي بمجلس النواب، بعد تقديم استقالتيهما.
على الصعيد الدولي، أكد الملك أن المغرب رسخ مكانته كفاعل دولي موثوق وشريك مطلوب، يطرح عروض شراكات بناءة ويختار تنويع علاقاته بمسؤولية. وفي هذا السياق، أدانت المملكة المغربية "بأشد العبارات" الهجمات بطائرات مسيرة التي استهدفت منشآت بترولية في المملكة العربية السعودية، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً لسيادة السعودية وتهديداً لأمن المنطقة، ومعبرة عن تضامنها الكامل. وفي سياق إقليمي آخر، هاجم وزراء ومسؤولون تونسيون سابقون تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن أمن تونس، مؤكدين أن تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة وأن أمنها مسؤولية حصرية لمؤسساتها، رافضين أي خطاب يُفهم منه إخضاع أمن البلاد لحماية خارجية أو التدخل في شؤونها الداخلية، ومشددين على أن التضامن يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والمساواة الكاملة في السيادة.